القرطبي

318

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثاني - أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ، والدعاء مخ العبادة . وهذا كقوله : " قال رب احكم بالحق " [ الأنبياء : 112 ] ( 1 ) وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق . الثالث - سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا ، لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه ذلك إعزازا للدين . والله أعلم . وروى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ) . والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد ، حتى قال قائلهم : ( 2 ) ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي * ولا أختفي ( 3 ) من خشية المتهدد وإني متى ( 4 ) أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي الرابعة عشرة - قوله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم ) أي أجابهم . قال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم . وقال جعفر الصادق : من حزبه ( 5 ) أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : اقرؤوا إن شئتم " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم - إلى قوله : إنك لا تخلف الميعاد " [ آل عمران : 191 - 194 ] . الخامسة عشرة - قوله تعالى : " أني " أي بأني . وقرأ عيسى بن عمر " إني " بكسر الهمزة ، أي فقال : إني . وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله ، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشئ ؟ فأنزل الله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من : ذكر أو أنثى " الآية . وأخرجه الترمذي . ودخلت " من " للتأكيد ، لان قبلها حرف نفي . وقال الكوفيون : هي للتفسير ولا يجوز حذفها ، لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به ، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد . ( بعضكم من بعض ) ابتداء وخبر ، أي دينكم واحد . وقيل : بعضكم من بعض في الثواب والاحكام والنصرة وشبه ذلك . وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم في الطاعة ، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ، نظيرها قوله

--> ( 1 ) على قراءة نافع راجع ج 11 ص 351 . ( 2 ) هو عامر بن الطفيل ، كما في اللسان . ( 3 ) في ه‍ وى : أختبي . ( 4 ) كذا في جميع الأصول ، والذي في اللسان : وإني إن ، وفى التاج : وإني وإن . ( 5 ) حزبه الامر : إذا نزل به مهم أو أصابه غم .